
الحياة مسرحٌ واسعُ الأركان، تدور على خشبته أحداثٌ تتلوها أحداث، نتقمّص فيه شخصياتٍ شتّى، ونؤدي أدوارًا تختلف باختلاف قناعاتنا وظروفنا، كلُّ فردٍ يقف تحت الضوء بدورٍ اختاره أو فُرض عليه، فمنهم البطل الذي يقاوم الأمواج العاتية ويواجه الرياح مهما اشتدّت، يقف صلبًا في وجه الشدائد، يتأقلم ويتكيّف مع الأوضاع كيفما كانت، هو القوي الذي لا يلين، والمُخلِص الذي نبحث عنه دومًا، ولذلك نرى الجميع يتقربون إليه طمعًا في نيل شيء من قوّته أو صفاته، يظنون أنه القادر على حلّ العقد ومعالجة الأزمات، وفي المقابل هناك من يفضّل السير بمحاذاة الجدران، يختار الهدوء طريقًا له، ينتقي خطواته بعناية، يبتعد عن الصدامات ما استطاع، لا يزعج أحدًا ولا يرغب في أن يُزعجه أحد. يعيش مسالمًا، لا يُعيره تغيّر الأدوار اهتمامًا ما دام في مأمنٍ من ضجيج الحياة وصراعاتها، وبين هذا وذاك، تلمح من يصعد على أكتاف الآخرين ليبلغ مبتغاه، يدوس بلا تردّد على كل ما يعترض طريقه، لا همّ له إلا أن يكون الرقم الأول والاسم الظاهر في الصف الأمامي. انتهازيٌّ يمدح هذا ويُساير ذاك، لا يرى إلا مصلحته، ويعتبرها فوق كل اعتبار.
وهناك أيضًا من يسخر ويهرّج ليضحك الآخرين، غير مدرك أنه بطريقته هذه يجرح القلوب، ويزرع الوجع في النفوس، وفي الجهة المقابلة، كم يسعد القلب حين نجالس المبتسم الصافي، صاحب الكلمة اللطيفة والروح الحنونة، الذي يبحث عن سعادة غيره قبل سعادته، ويقدّم ما يستطيع بسخاء، يؤثر ولا يستأثر، وهذا هو الشخص الذي نبحث عنه جميعًا، ويا سعد من وجد رفيقًا بهذا النقاء، تمضي بنا الحياة فصلًا بعد فصل، تتبدل الأدوار، وتتعاقب المشاهد.
حتى نجد أنفسنا فجأة أمام مشهد النهاية، عقارب الساعة تتباطأ، والستارة على وشك السقوط، ولم يبقَ من الوقت إلا القليل، عندها نركض لنستعيد أدوارًا ضيّعناها وانشغلنا عنها بأدوارٍ عابرة لا قيمة لها لو انتهت المسرحية، لكن… حينها يكون الفوت قد فات، قبل أن تُغلق الستارة، علينا أن نختار الدور الذي يليق بنا، المشهد الذي نستطيع أن نؤديه بصدقٍ وكمال، والإخراج الذي يجمع القلوب لا يفرقها، لنصل إلى نهايةٍ مشرقة نستحقها، ففي النهاية لا يسعد حقًا إلا من أسعد غيره.


