الثقافي

جامع السلطان قابوس الأكبر… حين يتجسّد النور في حجر، وتتنفّس الروح في فضاء عُماني مهيب

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

وقف جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيّب الله ثراه ـ أمام هذا الصرح العظيم، يلقي خطابًا سيظلّ في ذاكرة الوطن شاهدًا على بصيرة قائدٍ أراد لبلاده أن تجمع بين أصالة الإيمان ورحابة الحضارة. قال رحمه الله: «جامع السلطان قابوس مركزًا للثقافة والفكر… يسهم بنصيبه في إحياء التراث الإسلامي وإبراز القيم الحضارية للأمة، وتحديث معالجتها لشؤونها وقضاياها بما يحفظ عليها أصالتها ويصون ثوابتها وقيمها ويواكب في نفس الوقت مواكبة التقدم الإنساني في جميع مجالات الحياة وكخطوة على الدرب الطويل الذي لا بد من سلوكه لتحقيق الهدف فقد تم توفير عدد من المستلزمات الضرورية لهذا الصرح الديني والثقافي الناشئ ونعتقد بذلك قد وضعنا لبنة قوية تمكنه من أداء دوره المنشود في المجتمع وتطوير هذا الدور على مر السنين بوعي متوقد وفهم متجدد …»

«… ونرجو أن يكون يومنا هذا الذي نفتتح فيه، بسم الله وعلى بركته، هذا المسجد المبارك يومًا يشهد له التاريخ بأنه كان فاتحة خير لعُمان وللأمة الإسلامية جمعاء…»

كانت تلك الكلمات منارةً تُعلن أن الجامع ليس مبنى فحسب، بل رسالة، ورؤية، ومسار طويل من الإحياء الروحي والمعرفي.

((الجامع… هويةٌ معماريةٌ تنطق بالنور))

منذ ذلك اليوم، لم يكن جامع السلطان قابوس الأكبر مجرّد تحفة معمارية مهيبة، بل أصبح رمزًا للهوية العُمانية وامتدادًا لنور الله في الأرض.

قبابه الرفيعة، ومآذنه التي تخترق صفحة السماء، وباحاته المطمئنة — كلها تشهد أن هذا المكان لم يُبنَ ليُرى فقط، بل ليُلهم.

وفي جنباته، وُلد ضوءٌ آخر… ضوءٌ روحانيّ، علميّ، إنسانيّ، هو مركز التعريف بالإسلام.

((مركز التعريف بالإسلام… القلب الذي يخفق بين المحراب والبشر))

كأن روحه اكتملت يوم تأسس هذا المركز، فأصبح الجامع كيانًا نابضًا، محرابٌ للخشوع… ومركزٌ للهداية والنور . وفي كل ضحى من أيام الله، ترى مشهدًا لا يشبه غيره:

دعاةٌ من رجالٍ ونساءٍ يتوافدون باكرًا ضحوا بكل ما يمكنهم التضحية به، كأنهم نحلٌ مضيء يحمل الرحيق من مواضع العلم من بيوت عمانية أصيلة إلى قلوب الزائرين.

يتقاسمون الوقت والجهد في حوار مع ملحدٍ تائه، أو هندوسيٍّ متسائل، أو بوذيٍّ باحث، أو مسيحيٍّ متأمّل، أو يهوديٍّ يسأل عن نقاء التوحيد الأول.

يسأل الزائر: ما الإسلام؟ ما قيمه؟ ما سرّ القرآن؟ ولماذا يحمله أهله في قلوبهم بذاك الإيمان والتفاني؟

ويأتيه الجواب: إنه منهج حياة أراده الله للناس جميعًا، فيه الرحمة، والعدالة، والكرامة، والنظام، والنور ويتوج الله لمن عمل به جنة عرضه السماوات والأرض أعدت للمتقين.

هذا المكان يجلس فيه من مَنَّ الله عليه بالهداية، يستمع مرة، ويسأل مرة، وينزوي أحيانًا في زاويةٍ من زوايا السكينة — كأن وحيًا من الإلهام يطرق قلبه يسأله: من أنت؟ ولماذا خُلقت؟ وإلى أي مصير تسير ، ولماذا أنت في هذا المكان من عُمان تحديداً !؟

((هنا تبدأ الروح… وهنا تعود))

بين المحراب الذي يرفع الأكفّ نحو السماء، وبين غرف التعريف التي تفتح القلوب على الحق، يحدث ذلك اللقاء العجيب: لقاء العقل بالإيمان، ولقاء الإنسان برسالته.

فإذا اكتملت الحكاية، خرج الزائر وهو يحمل في صدره آيةً من نور، أو معنى جديدًا كان غائبًا عنه، أو يقينًا يخطو أولى خطواته إلى الله.

((حين يكتمل المشهد… وتُشرق الهداية))

فإذا اكتملت الحكاية، خرج الزائر وهو يحمل في صدره آيةً من نور، أو معنى كان غائبًا عنه، أو يقينًا يخطو أولى خطواته إلى الله.

نعم… هذا هو وقت الضحى من كل يوم؛ ساعةٌ تتفتح فيها الأرواح مثل أزهار تتلمّس أول خيوط الشمس.

حواراتٌ حيّة تحفّز القلوب وتوقظ الفطرة، وتعيد الإنسان إلى الحقيقة الأولى: أن الإسلام هو دين الفطرة، وأنه الرسالة الواحدة التي جمع الله لها الأنبياء والرسل من لدن أبينا آدم إلى حبيبنا محمد ﷺ، ليبلغوها للناس عبر الزمان.

وفي تلك الساعة المباركة، تتحوّل قاعات المركز إلى خلية نحل نورانية؛ دعاة من الرجال والنساء، يلتف حول كلّ واحد منهم مجموعات من البشر جاؤوا من مختلف بقاع الأرض، بعضهم سائح، وبعضهم باحث، وبعضهم تائه يبحث عن معنى.

يجلسون متحلقون، منبهرون بما يسمعونه: حديثٌ صادق، بعيد عن الإعلام الزائف والسياسات المريبة التي تستعبد الشعوب، ليكتشفوا — ربما لأول مرة — أن الإسلام ليس ما تصوّره الشاشات، بل هو دين التوحيد والنقاء والفطرة التي فطر الله الناس عليها والذي يرتبط به الفوز بالآخرة.

((صرحٌ داخل صرح… ومشكاة نور متجددة))

مركز التعريف بالإسلام هو صرحٌ داخل صرح؛ نورٌ داخل نور. يتلألأ ضياؤه من وجوه أولئك الدعاة الصادقين الذين تربَّوا في بيوت الكرم العمانية دون أن نغفل أخوك وأخوات مؤمنين ومؤمنات بلغات متعددة من بلاد عربية وإسلامية انصهروا في حضن وكنف عماني أصيل ، إنهم رجالاً ونساءً، كأن الله قذف في قلوبهم كلمات، فخرجت على ألسنتهم هادئةً، بسيطةً، لكنها تخترق الحجب حتى تبلغ مسامع الزائرين وقلب كل من يبحث عن حق.

وتارةً تسمع ضجيج الحوارات الصاخب وإرتفاع الأصوات، وتبادل الأسئلة، واشتباك الأفكار؛ وتارةً — فجأة — نعم فجأة بل حين فجأة ….! هناك حدث جلل …!

يسكت الصخب، كأن المكان كله يحبس أنفاسه… وتتجه الأبصار والأسماع نحو صوتٍ يصدح في زاوية من زوايا المركز، يتلو كلمة الهداية الأولى بالنسبة لناطقها وكأنه يرفع او ترفع الآذان : «أشهد أن لا إله إلا الله… وأشهد أن محمدًا رسول الله»

وهنا تبدأ اللحظة المقدسة. العيون تلمع بالدموع، الأيدي تمتد بالمصافحة، والقلوب تتعانق قبل الأجساد. ويقال للداخل الجديد في دين الله:

مرحبًا بك… لقد اخترت الطريق الذي ارتضاه الله لعباده إنه منظر مهيب مفرح ونادر تشهد عليه ملائكة السماء يحدث مراراً وتكراراً.

((وفاءٌ لا بد منه… وشكرٌ لجنودٍ يعملون بصمتٍ تحت نور الله))

ومن هذا المقام — مقام الهداية، ومشهد البكاء فرحًا بدخول عباد الله في دينه — يجب أن نقدّم شكرنا إلى جنودٍ مجهولين… عملوا بصدق، وتركوا للأمة أثرًا لا يزول.

وأول الوفاء هو الترحم على باني هذا الصرح الشامخ؛ جلالة السلطان قابوس بن سعيد — طيب الله ثراه — الرجل الذي زرع النور هنا، فجرت ثماره اليوم في كل زاوية من زوايا هذا الجامع. يرقد في قبره… غير أن نهر الثواب لا ينقطع عنه؛ يمرّ عليه كلّما نطق رجل أو امرأة بالشهادتين في هذا المكان، فتصعد روحه — بإذن الله — في رضوانٍ لا ينفد، لأن من دلّ على الهدى كان له من الأجر مثل أجور من اتّبع.

ونقرن شكرنا بما هو أهلٌ له: مولانا السلطان هيثم بن طارق المعظم — حفظه الله — الذي وقف، وتابع، ورعى، وصحّح المسار كلما احتاج الأمر، وتصدّى — بنفسه — لأي عائق يحاول أن يحرّف المركز عن أهدافه السامية. فمثل هذه المراكز تحتاج قلب قائد، ويد قائد، ونظر قائد… وقد وفّرها كلها.

ولا يسعنا إلا أن نثمّن دعم السيدة الجليلة — حفظها الله ورعاها — حين تبعث ضيوفها ليتعرفوا الإسلام من مصدره النقي فهذا قمة الدعم والدفع برسالة الإسلام ودين الله العظيم، ليشهدوا النور في صورته الحقيقية… نور الحياة……

ولن ننسى أصحاب البدايات الأولى، الذين وضعوا اللبنات التي بُني عليها هذا الخير العظيم: سعادة سعيد بن ناصر المسكري رئيس مكتب السلطان قابوس الإسلامي للثقافة والعلوم سابقًا، الذي كان المؤسس للمركز منذ فكرته الأولى. وكذلك سعادة حبيب بن محمد الريامي الرئيس الحالي للمكتب، الذي واصل المسيرة بالدعم المادي والمعنوي، حتى ظلّ هذا المركز قائمًا على قدميه، ثابتًا في رسالته، شامخًا في عطائه ونقول له لا تتركونا. وكذلك دعم جميع مؤسسات الدولة التي تبعث بضيوفها إلينا، ومني شخصياً ككاتب أحي جميع إخوتي وأخواتي الذين نكن لهم كل المودة والمحبة والإعجاب فكراً وتضحية وعملا ، وثقوا جميعا بأن وسام التكريم تحملونه بكل فخر على صدوركم ، فأنتم شعلة النور للإسلام وسلطنة عمان في مركز التعريف بالإسلام فكراً ناضجاً ملماً واعياً وسفراءً وسفيرات في جامع السلطان قابوس الأكبر، فهؤلاء جميعًا — من جلالة السلطان إلى أصغر عامل في المركز — يجتمعون على هدف واحد: أن يبقى الإسلام نورًا يُعرّف، لا نورًا يُشوَّه…وأن يجد الباحثُ عن الحقيقة طريقًا مفتوحًا، غير مغلقٍ بجهل أو سياسة أو تشويه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى