
مع اقتراب موسم العودة إلى المدارس، تتزين الشوارع والواجهات بألوان الحقائب الجديدة، دفاتر لامعة، أقلام مرتبة، ولوحات إعلانية تبشر بأكبر الخصومات وأجمل العروض. المحلات تتنافس وكأنها في سباق لا يتوقف، وكل إعلان يبدو وكأنه ينادي: “اشترِ الآن… فالفرصة لن تتكرر!”
لكن، على بعد خطوات من هذا الضجيج، هناك بيوت لا تلتفت للإعلانات ولا تبالي بالعروض. بيوت لآباء مسرّحين من أعمالهم، بلا راتب ثابت، بلا أمان وظيفي، يعيشون كل يوم على أعصابهم، يخططون لكل ريال قبل أن يغادر أيديهم.
في هذه البيوت، يعيش أطفال لا يعرفون عن الأنظمة أو الموازنات أو معنى “الأمان الوظيفي”. يرون الحقيبة الجديدة في واجهة المحل، فيظنون أنها بانتظارهم كما تنتظرهم كتبهم وأصدقاءهم في المدرسة. لا يعلمون أن حقيبتهم القديمة تنتظر بدورها… تنتظر أن تغسلها أمهم، أن تخيط الممزق منها، وتعيدها إلى الحياة لعام دراسي جديد.
الأب، وسط كل هذا، لا يقتصر تفكيره على تجهيز ابنه للمدرسة. هناك قائمة طويلة من الهموم تترقب: فواتير ماء وكهرباء يجب أن تُسدّد، إيجار بيت لا ينتظر، مؤونة البيت الذي ينقص يومًا بعد يوم، وديون تثقل كاهله، ومصاريف مفاجئة تأتي بلا موعد. المدرسة، رغم أهميتها، ليست إلا بندًا من بنود كثيرة تزدحم في رأسه كل ليلة.
الأم، بدورها، تحاول أن توازن بين كل هذه الضغوط، أن تُخفي حزنها بابتسامة صغيرة، أن تجعل حقيبة ابنها القديمة وكأنها جديدة، لتغرس في قلبه فرحة ولو بسيطة في بداية العام.
أما الطفل، فيظل في عالمه البريء، ينتظر صباح اليوم الأول من المدرسة، يحلم بالكتب الجديدة، بالضحك مع أصدقائه، غير مدرك أن وراء حقيبته المرممة قصة صبر وتضحيات لا تراها أعين الآخرين.
وبين بريق الإعلانات وواقع بعض الآباء، هناك فجوة لا تُملأ. طفولة كثيرة تتعلق أحلامها بحقيبة قديمة، وأبوان يحاربان كل يوم ليبقيا واقفين، بينما العروض البراقة تمر أمامهم… ولا تطرق أبوابهم أبدًا.



