مقالات

أوبّار… من عين غيضت إلى النهضة

حسين محمد

أقف في طابور من أبناء وطني، هناك عساكر يصوبون البندقية نحوي: تحرّك تحرّك. كان هناك ممرضة، عيونها جاحظة، أشرفت على العقد الرابع من عمرها، سليطة اللسان. حقيقةً لا أعلم كيف هي ممرضة، إذ إن الممرضات ملائكة الرحمة في هذه الدنيا، والتي أراها لم تكن سوى جلّادة، بيدها عود فاحص الحلق، والذي كان سوطًا بنظري. لم أكن أرتدي ملابس كاملة، لم يكن يشغلني غير: ماذا سأرتدي؟ ما هو الطعام الذي سيقدمونه؟ وأين المحطة التالية.

تلك الممرضة ومن معها، لم يكن الحياء ذا قيمة لهم، حيث الغارقين في الخراب يجدون صعوبة حتى يدركون قيمة الفضيلة.

في ذلك الجحيم لم أكن أفكر سوى بوطني الصغير: أمي، أخوتي، أبقارنا، وكل ما يشغلني هو: هل سقطت قريتنا؟ لعل أمي قلقةٌ عليّ الآن، وأين “أوبار” الآن؟ أهيم بالخيال عائدًا، أراها تجلب الماء من مورد “عين غيضت”، وأرى بنات قريتي يرعين مواشيهن فوق التلال الرابية، لم يكن فتيات فقط، كنّ ماجدات، حملن على ظهورهن هموم وطن.

لم يعد في البلاد غير الصبية والعجزة.

سمعت صبيًا جلبوه إلى المعسكر حديثًا، يخبرني أن رجالًا من قبيلتنا سقطوا في أحد المعارك الدائرة، وأن خالي (الشهيد البطل: مسلم عامر مدحار العوائد) كان من بينهم، والآخر قد أُصيب بجروح بالغة ولا يزال على قيد الحياة، وكانت الأخبار التي تتوالى لا تسر أنبل أعدائي.

تذكرت حديث أبي المتوفى يومها يقول: بني، حين يغيب الأمن تعم الفوضى، وأن الأمن يدوم بشكر النعم وصلاح الإنسان.

كن ابن أرضك ولا تكن لها كنودًا، إن من ينكرون فضل أمهاتهم لهم أحلك الأماكن في الجحيم، الوطن هو أمك.

وفي يوم 1970-7-31، كان السجان الذي يحرسنا قد غطّ في النوم سئمًا، محاولًا أن يلتقط موجات الأثير دون جدوى، وإذا بصوت الراحل السلطان قابوس رحمه الله يصدح قائلًا: “نأمل أن يكون هذا فاتحة عهد جديد لمستقبل عظيم لنا جميعًا، إننا نعاهدكم بأننا سنقوم بواجبنا تجاه أبناء شعبنا العزيز، كما أننا نأمل أن يقوم كل فرد منكم بواجبه لمساعدتنا على بناء مستقبل مزدهر.”

عندها أيقنت بأن هذا الخطاب هو إيذان لبزوغ فجر جديد، وأن الظلام سيعقبه نور وأن من رحم المآسي تنهض الأمم.

وطَني لَو شغِلتُ بِالخلدِ عَنهُ

نازَعَتني إِلَيهِ في الخلدِ نَفسي

— أحمد شوقي.

*تنويه:

هذا النوع يُعرف بـ الفانتازيا الواقعية أو الواقعية السحرية، حيث يمتزج الخيال بلمحات حقيقية (تاريخية، نفسية، أو اجتماعية). توفر هذه الروايات هروبًا ممتعًا مع إبقاء القارئ مرتبطًا بمشاعر أو أماكن مألوفة، أو شخصيات حقيقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى