
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
تأمل كلمة “ألم يأنِ”. إنها ليست أمراً فحسب، بل استبطاء رقيق من الله لعباده، كأنه يقول:
أما آن الوقت؟
أما حان الأوان؟
كم تنتظرون بعد؟
إنه سؤال يحمل في طياته محبة الله لعباده؛ فالله لا يسأل ليعلم، بل يسأل ليوقظ القلب.
السر الأول: الخطاب موجّه للمؤمنين العجيب أن الآية لم تقل:
“ألم يأنِ للناس”
بل قالت: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾
وكأن المعنى: حتى المؤمن قد يصيبه جفاف القلب إذا طال عليه الأمد وغفل عن الذكر.
ولهذا كان الصحابة يقولون إن هذه الآية نزلت تعقيباً وتربية لهم. وقد ورد أن بعضهم قال: “ما كان بين إسلامنا ونزول هذه الآية إلا بضع سنين، فعاتبنا الله بها.”
فتأمل أيها السارح في ملكوت الله إن كان هذا العتاب موجهاً لخير جيل في التاريخ،فكيف بنا نحن؟
السر الثاني: الخشوع عمل القلب لا الجوارح
الخشوع ليس خفض الصوت فقط،ولا انحناء الجسد في الصلاة.
الخشوع الحقيقي هو: • أن يستيقظ القلب عند ذكر الله. وأن يذوب الكبر في داخله.وأن يشعر الإنسان أن الله أقرب إليه من نفسه.
ولهذا قال بعض الحكماء: الخشوع هو أن ينكسر القلب لجلال الله كما تنكسر المرآة أمام الضوء.
السر الثالث: خطر طول الأمد
قال تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
أي أن المشكلة الكبرى ليست الكفر المفاجئ، بل الزمن إذا مرّ بلا تجديد للروح.الإنسان في البداية:
• يسمع الآية فتدمع عينه
• يسمع الموعظة فيرتجف قلبه
لكن إن طال عليه الزمن بلا ذكر ولا تفكر،
فإن القلب يتعود الغفلة.
وهنا يحدث أخطر شيء: القسوة.والقلب القاسي لا يتأثر:
• لا بالقرآن
• ولا بالموت
• ولا بالمصائب
وكأن بينه وبين السماء حجاباً من غفلة.
السر الرابع: الذكر هو حياة القلب
لاحظ أن الآية ربطت الخشوع بـ: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي أن القلب لا يخشع إلا بشيئين:
1. ذكر الله
2. القرآن
ولهذا قال العلماء: القلب مثل الأرض، إن لم تسقه بذكر الله تحولت إلى صحراء.
السر الخامس: النداء مفتوح في كل لحظة
هذه الآية ليست مرتبطة بزمن نزولها فقط. إنها سؤال يتكرر كل يوم لكل إنسان.كل صباح كأن السماء تقول: ألم يأنِ لقلبك أن يخشع؟
كلما سمعت القرآن… كلما رأيت الموت…كلما مرّت بك نعمة أو مصيبة…
فالنداء يتكرر:
أما آن؟
كلمة تهز القلب
قال أحد العارفين بالله: “ما قرأتُ هذه الآية مرة إلا شعرت أن الله يخاطبني وحدي.”
وهذا هو سر القرآن: أنه يخاطب القلب مباشرة.
تأمل أخيرا يا أيها المتدبر والمتدبرة
المستعظم لله حقاً هو من يعيش بين ثلاثة مشاعر:
1. هيبة من عظمة الله
2. حياء من تقصيره
3. رجاء في رحمة ربه
فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في القلب، ولد منها الخشوع.
وأختم لك بنداء يشبه نداء الآية: يا قلبُ… أما آن أن تلين؟
أما آن أن تعود؟ أما آن أن تنكسر بين يدي من خلقك؟
فإن القلوب إن لم تخشع في الدنيا طوعاً… خشعت يوم القيامة كرهاً شاء من ياء وأبا من أبا….
إنه كلام الله في كتابه الذي نزل به جبريل على سيد الأنبياء ! هل أكرمت عقلك بالتدبر مستسلما لربك ليبهجك ويرفعك مقاما محمودا.



