السياحي

التبلدي … الماشوة

آمنة بنت محمد البلوشية

في أقصى الجنوب من عمان، حيث تصعد الجبال لعناق السحاب، وتهمس الأودية بأغنيات المطر، تقف شجرة التبلدي بشموخٍ لا يشيخ، كأنها أنثى الأرض الأولى، أو ذاكرة بدائية نبتت من الطين والدهشة. ليست مجرد شجرة، بل كائنٌ أسطوري يتوسد الصخور، ينهل من الضباب، ويخزن الغيم في قلبه. في ولاية ضلكوت، حين ينكسر الضوء على الجذوع الضخمة، يُخيّل للزائر أنه أمام معبدٍ قديم، أو عمود من زمنٍ لا يُقاس بالسنوات، بل بالنجوم التي عبرت فوقه ثم اختفت.

التبلدي، كما تُعرف في ظفار بـ “الماشوة” أو “انكيجي”، لا تنمو كالأشجار الأخرى، فهي لا تستعجل المواسم ولا تتنافس على الطول. إنها تنبت بصبر الأمهات، وتعيش كما تعيش الأساطير: ببطء، وبهدوء، وبعزلة فيها كل معاني الاكتفاء. تمتص المطر في موسم الخريف وتخزنه في جسدها المتخم بالماء، تُغلق عليه كأنها تُخبئ سِر الحياة في تجويفها السري. وفي أشهر الجفاف، لا تذبل ولا تنكسر، بل تُخرج من ذاكرتها ماءها الخاص، وتسقي نفسها بصبرها.

جذعها ينتفخ كقنينة عظيمة، ملساء، داكنة، تمتلئ بأحاديث لا تُقال. يبلغ ارتفاعها نحو خمسة عشر مترًا، وقطرها يصل إلى مترين، لكن في موطنها الأصلي بأفريقيا ومدغشقر تتضخم أكثر، وتتورم جذوعها كأنها تُخبئ الزمن كله داخلها. وهي لا تُشبه أي شجرة يعرفها الناس، ولهذا كثرت أسماؤها: التبلدي، الباوباب، شجرة القارورة، الكلهمة، شجرة خبر القرود… أسماؤها تتعدد كلغة تبحث عن وصف لم يُخلق بعد.

عددها في ظفار لا يزيد عن مئتي شجرة، متناثرة في مرباط وضلكوت، في جيوب خضراء ضبابية تحرسها الجبال وتزورها السحب. تبدو ككنوز نادرة خبأتها الطبيعة عن عيون الفضول، ووهبتها فقط لأولئك الذين يعرفون كيف ينظرون. في كل واحدة منها نُدرة، وفي ندرتها تكمن القيمة. إنها من أضخم الأشجار في شبه الجزيرة العربية، وأقدمها عهدًا، عابرةً للقرون دون أن تكلّ أو تشيخ.

وحين تقف أمامها، لا تحتاج إلى لغة. كل ما عليك هو أن تُنصت. الجذع يتكلم، لا بصوت، بل بشعور يملأ القلب. كأنها تهمس: “تأمل… فأنا شجرة من حنين، من ذاكرة غافية، من وقتٍ لم يُكتب… بل نبت من الأرض كما أنا، وصرت شاهدة على كل ما مرّ، وكل ما مضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى