
شهر شعبان محطة إيمانية استعدادية لشهر رمضان المبارك، وهو فرصة عظيمة للعبادة، خاصة الصيام وتلاوة القرآن الكريم والتفكر والتدبر، وتدارك ما فات، مع التوجه لله بالدعاء والاستغفار، والتوبة والإنابة بقلوب سليمة ونفوس تقية نقية مطمئنة.
أهلَّ علينا شهر شعبان، فأهاج مشاعر الهداية والإيمان، وهتف بنا إلى الطاعة والعبادة والإحسان، والإكثار من الخير والتسامح والزهد. فهو تقدمة لشهر رمضان المبارك، وتمرين للأمة الإسلامية على الصيام والقيام وصالح الأعمال؛ حتى يذوقوا لذة القرب من الله تعالى، ويستطعموا حلاوة الإيمان، فإذا أقبل عليهم شهر رمضان أقبلوا عليه بهمة عالية، ونفس مشتاقة، فداوموا على الطاعة واعتكفوا للعبادة.
ولقد عُرف عن سيرة الحبيب المصطفى -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- أنه اشتُهر بصيامه في شهر شعبان، وأن صيامه فيه كان أكثر من صيامه في غيره؛ فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: “ما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان”.
إلينا جميعاً أيها المؤمنون المقتدون بسُنَّة النبي المصطفى -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- كان حبيبنا المصطفى العدنان يقول في فضائل شهر شعبان: “قد أقبل عليكم شهر حبيب إلى حبيبكم”، وقد بان لكم خصوصية هذا الشهر ومكانته، وعلمتم فضائله ومنزلته، وكيف كان حال النبي فيه؛ فلقد شاع الخبر أنه كان يُكثر الصيام فيه، فماذا أنتم فاعلون؟!
وفي مقالنا المتواضع سوف نوضح أهم فضائل شهر شعبان المبارك على سبيل المثال لا الحصر، فالفضائل كثيرة لا تعد ولا تحصى، وكيف لا وضيفنا هو استعداد وابتهاج بالمقدم الميمون لخير الشهور، وفيه يحب النبي ﷺ أن يُرفع عمله وهو صائم.
من فضائل الشهر وأعماله:
الاقتداء بالنبي ﷺ: كان النبي ﷺ يصوم فيه أكثر من أي شهر آخر، وهو تدريب للنفس قبل شهر رمضان المبارك.
شهر التلاوة والصيام: من السنن المؤكدة الإكثار من الصيام في شهر شعبان اقتداءً بهدي النبي ﷺ.
العبادة والطاعة: شهر شعبان فرصة عظيمة للإكثار من قراءة القرآن، والدعاء، والذكر، والتصدق، والإكثار من الخيرات.
التوبة والاستعداد لرمضان: يُستحب في شعبان الإكثار من الاستغفار والتوبة استعداداً للعبادة المكثفة في شهر رمضان الكريم.
وسوف نتطرق في مقالنا إلى تصرفات يفعلها بعض المسلمين ظناً منهم أنها من السنة، ولكنها ليست مباحة ولا يجوز فعلها أو اقتفاء أثرها، بل يجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها البعد عنها لأنها لا تمت لديننا الحنيف بصلة، ومنها:
تخصيص الاحتفال بليلة النصف من شعبان: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يحتفي بليلة النصف بأعمال خاصة أو اجتماعات، بل الهدوء والعبادة الفردية هما الأفضل.
النهي عن صيام النصف الثاني: لا يُكره صيام النصف الثاني إلا لمن يخشى أن يضعف عن صيام رمضان، أما من له عادة في الصيام فلا حرج عليه.
نصل إلى خلاصة مفادها أن شعبان شهرُ رفع الأعمال وقبولها بفضل الله تعالى، وهو شهر اجتهد فيه الحبيب المصطفى ﷺ، ومن بعده الصحابة والتابعون والمسلمون إلى قيام الساعة. وعن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: “ذلك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم” (رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة).
وهنا نصل إلى حقيقة قد يجهلها أو يتجاهلها البعض، بأن شهر رجب هو شهر الزرع، وشهر شعبان هو شهر سقي الزرع والاعتناء به، وشهر رمضان هو شهر الحصاد؛ فمن لم يزرع في رجب ولم يسقِ في شعبان، فكيف يحصد في رمضان؟
أقولها لنفسي أولاً وأذكر بها كل من له حق علي وعلى أهلي والمسلمين: هبوا واجتهدوا وبادروا في شهر “سقي الزرع” حتى نحصد جميعاً أطيب الثمار. هل سننتظر حتى نكون مثل من قال الله تعالى فيهم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾؟ لا بد لنا من استقبال نعمة الله وتقديرها حق قدرها.
كان النبي ﷺ يقوم حتى تتورم قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ((أفَلَا أكون عبدًا شكورًا؟)). انظر إلى تلك النظرة للعبادة، أنها ليست فقط لمغفرة الذنوب ورفع الدرجات، بل من مقاصدها أن تكون شكراً لله على نِعمه التي لا تعد ولا تحصى. ومهما اجتهدنا في العبادة يعترينا النقص والتقصير، والفضل بيد سبحانه وتعالى، واسع النعم واهب العطايا.


