
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى وتبهت فيه المعاني، لا تزال بعض القصص تشعّ كجمرٍ تحت الرماد، تُذكّرنا بأن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل فعلٌ يُخلّد. هذه قصة حقيقية، تجسّد قيم الإخلاص والصداقة والعفّة في التعامل، بطلها رجلٌ من الطراز الأول، حمل قلبه النقي في صدره ستين عامًا، حتى أعاده الحنين إلى رفيق دربه الذي افترق عنه منذ ستة عقود.
في صباحٍ نديٍّ من صباحات عمان، حين تتصافح الشمس مع السهول بوداعة، وتنكشف الجبال عن أسرارها القديمة، تلقّينا دعوةً كريمة من أهل قرية حيل الغافة، التابعة لولاية الرستاق، لحضور افتتاح جامعهم الجديد. كان الجامع يتلألأ كعروس في ثوبها الأبيض، تحفّها دعوات أهل القرية، وتباركها ظلال النخيل، وأدعيتهم الصاعدة كأرواح العارفين.
بعد انتهاء مراسم الافتتاح، هممنا بالعودة. صعدنا السيارة، وأبحرنا في الطريق السريع كما يبحر المرء في نهرٍ من إسفلت تحفّه الذكريات. وبينما الصمت يخيّم، والجبال تتلو صلواتها بلغةٍ لا يفهمها إلا العاشقون، قطع والدي ذلك الهدوء بنبرةٍ حائرة كأنها خارجة من أعماق قلبٍ يهيم بشيء لا يُقال:الرستاق… بعيدة؟
قلت: قريبة، يا أبي.
فقال، وكأن في صوته صدى عمرٍ مضى: لفّ صوب الرستاق.
نظرت إليه، والدهشة تتقافز في عيني: إلى الرستاق؟ لماذا؟
أجاب وهو يحدّق في الأفق كأنما يراه بعيني قلبه:
أريد أن أزور أخي.
سألته وقد اختلطت الحيرة بالحنين في نبرتي: أخوك؟ كيف؟ ونحن من إزكي، وأعمامي قد توفاهم الله، وكلهم وُوروا التراب؟
ابتسم ابتسامة مَن يعرف شيئًا لا يعرفه سواه، وقال:
أقصد أخا الصبا والغربة… رفيق الحديد والعرق… صالح بن حمد.
وكأن الزمن دار بي إلى الوراء، فسألته: ومتى كانت آخر مرة رأيته؟
قال، كأنما يستخرج التاريخ من أعماق قلبه:
منذ عام 1963.
شهقت ذاكرتي، وتمتم لساني: ستون عامًا؟ لم تتواصلا؟ لم تلتقيا؟
قال بهدوء شجرة تعرف أنها ستُثمر وإن تأخرت الفصول:
أبدًا.
قلت: وأين في الرستاق؟
قال: في الوشيل… هناك تحت ظل البرج… كانت الذكريات تستريح.
قادني الطريق إلى الوشيل، وكانت القرية ساكنة كما لو أنها تنتظر شيئًا. حين اقتربنا من برجٍ قديم، رأيت رجالًا يجلسون تحته، يتقاسمون فناجين القهوة كما يتقاسم الشعراء القصائد. أشار أبي إليهم، وقال:
هناك… اسألهم عن بيت الأخ صالح
ذهبت إليهم، وسألت، فأشاروا إلى منزل قريب كأنهم يشيرون إلى قلب الزمن.
وقفت عند الباب، طرقته، ففتحت لي امرأة مسنّة، الزمن قد نسج على ملامحها خيوطه، لكنها ما زالت تحتفظ بضياء الأيام القديمة.
قلت: هل الوالد صالح هنا؟
قالت: نعم، لكنه أعمى… فقد بصره منذ سنوات.
أخبرتها عن والدي، وكيف حمله الحنين على أجنحة الشوق من ولاية إلى ولاية، بعد ستة عقود.
فقالت: انتظر… سأُخبره.
وما هي إلا لحظات حتى خرج صالح، يخطو بتحسّسٍ كأن كل جدار هو شاهد على حكاية قديمة. وفجأة، انطلق أبي من السيارة، كما لو أن عمره خفّ فجأة، وأمسك بصديقه، وضمّه كأنما أراد أن يحتضن الزمان كله في لحظة.
قال والدي، وصوته يتهدج بالدموع والحنين:
السلام عليكم ورحمة الله، أخي صالح هل عرفتني؟
قال صالح، وهو يتحسس الصوت كما يتحسس الأعمى وجه من يحب:
أعدها عليّ، أعدها…
فقال أبي من جديد:
أنا سهيل من أهل سِيماء!
فابتسم صالح، وقال:
يا ربّاه… هذا صوت أخي سهيل… كيف لي أن أنسى؟
ضحك والدي من الأعماق، وقال:
حُوه عليك! حُوه عليك! ما زلت كما أنت!
ثم التفت إليّ صالح، وقال كمن يستخرج جواهراً من باطن البحر:
ما فعلناه أنا وأبوك في الغربة… لا يفعله اثنان في هذا الزمان، لا أنت وأخوك، ولا حتى أنت وأبوك، ولا أنت وولدك!
تعلّق الفضول بلساني، فقلت: وما الذي فعلتماه؟
فقال: ادخلوا… إلى المجلس، ففي جوفه كنوز لا تُقال وقوفًا.
دخلنا مجلسه، وكان والدي ما يزال ممسكًا بكفه، كأنما يخشى أن يفلت زمام الزمن مرة أخرى.
جلست إلى جانبهما، فبدأ صالح يروي، وصوته كأنما يأتي من سرداب منسيّ:
جاء أبوك مغتربًا، يحمل صندوقًا من حديد، يسمّونه سحّارة. وقال لي يومها: (يا صالح… نحن غرباء. فلنضع راتبي وراتبك معًا في هذه السحارة، نأكل منها، نعيش بها، ونُقسمها حين يأتي اليوم الموعود.)
وكان راتبه أعلى، لأنه كان مشرفًا، أما أنا، فكنت مجرد عامل. لكنه لم يبخل، لم يساوم، لم يحسبها يومًا. جمع المال، وباع الحديد، ووضعه كله في تلك السحّارة.
وفي يوم، قال: اليوم القسمة، فقلت: (قِسمة؟ نص بالنص؟!) قال: (ما غايبات… تراهن رايحات مع أخوي.) قلت له: (السحارة لك!) فضحك وقال: (بعدك تريد تشيل السحّارة؟ تراها بفلوسي!)
ثم اقتسمنا المال، كما يقتسم الحبيب نبض قلبه… بالحب، لا بالعدد.
كان كل ما حولنا ساكنًا، حتى الجدران شعرت أنها تُصغي، كأن المكان كله انحنى احترامًا لتلك القصة النادرة… قصة وفاء لا يُصنع مثلها إلا في زمن كان القلب هو الذي يحكم، لا الجيب.
غادرنا بعدها، وأبي ما يزال ينظر من نافذة السيارة بصمتٍ، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا… بل صمت رجلٍ صالحٍ، أدرك أن للزمن أبوابًا، وبعضها لا يُفتح إلا بمفتاح اسمه: الوفاء.




