
كم هي غريبة هذه الحياة، تحملنا أمواجها تارة إلى شواطئ الفرح، وتارة أخرى تلقي بنا على رمال الحنين، حيث تتجسد الذكريات في كل زاوية، وتهمس لنا بأسرار من رحلوا. كلما حطت قدماي أرض الهند، تلك البلاد الساحرة بألوانها وأصواتها وأريجها، سواء كان ذلك لزيارة الأهل الذين يربطنا بهم خيط من الدم والذكريات، أو لالتماس الشفاء لأجساد أرهقها الألم، تمتزج في روحي فرحة اللقاء ببهجة الاستكشاف، لكنها لا تلبث أن تعتصرني لوعة الشوق ومرارة الفقد.
هناك، في كل زاوية من زوايا هذا البلد الشاسع، في كل شارع مزدحم، وفي كل سوق يعج بالحياة، أرى طيف أبي، رحمه الله، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظات السعيدة التي جمعتنا، لحظات كان فيها عملاقاً لا تلين له قناة. وليس أنا وحدي، بل كلما سافر أحد إخوتي وأخواتي الأعزاء لذات الغاية، أرى في عيونهم نفس المزيج من الفرح الممزوج بحزن عميق، حزن على ذاك السند الذي غاب، وتلك الروح التي رحلت.
كانت الأيام تمضي بنا ونحن صغارا، أعدادنا كبيرة، بفضل الله وكرمه. كنا كحديقة غنّاء، كل زهرة فيها تتطلب رعاية خاصة واهتماماً بالغاً. أبي، يا لجلال صبره وعظيم عطائه! كان وحده يحمل على عاتقه كل ثقل الحياة، يسهر ليوفر لنا كل ما نحلم به، يلبي طلباتنا الصغيرة التي كانت تبدو لنا حينها هائلة. ربما لا يستوعب البعض منكم حجم تلك المصاريف، أو كثرة تلك الطلبات، فالحياة كانت أبسط، والمتطلبات أقل تعقيدًا، لكن كانت طلباتنا نحن الأطفال نابعة من براءة الفطرة، بسيطة، عفيفة، تراعي ظروفه التي كنا نلمسها في صمت عينيه المتعبتين، وفي قسوة يديه المجهدتين، وفي تجاعيد وجهه التي كانت تحكي قصص الكفاح والعناء. كان يرى في ابتسامتنا الصغيرة كنزًا لا يُقدر بثمن، وفي راحتنا غاية سامية يسعى إليها بكل ما أوتي من قوة.
على الرغم من بساطة راتبه الذي لم يكن ليكفي بالكاد لسد رمق أسرة كبيرة، كان والدي، رحمه الله، ساحرًا من نوع فريد. كان يمتلك مفاتيح السعادة، وبيده جبر الخواطر. لم يكن المال يومًا مقياسًا لكرمه، بل كانت روحه هي الينبوع الذي لا ينضب من الحب والعطاء، وقلبه كان أوسع من البحار، يتسع لنا جميعاً، يحمل همومنا قبل أن نحملها نحن. كان ينظم لنا تلك الرحلات المكلفة إلى الهند، وكأنها رحلات إلى عالم آخر، عالم من البهجة والسرور، عالم رسم فيه الابتسامات على وجوهنا البريئة، وترك في قلوبنا بصمات من الفرح لا تمحوها الأيام. كانت تلك الرحلات أكثر من مجرد سفر؛ كانت دروسًا في الكرم، في حب الحياة، وفي قيمة العائلة، وفي الصبر على شظف العيش مقابل رؤية السعادة في عيون أبنائه.
أتذكر بوضوح كيف كان يسعى ليرشدنا في تلك البلاد الغريبة علينا. في زمان لم تكن فيه الهواتف النقالة الذكية موجودة، بتطبيقاتها التي توفر كل المعلومات عن البلد، عن خدماتها، وعن طرقها وشوارعها. لم تكن هناك خرائط رقمية توجهنا، ولا تطبيقات تسهل علينا العثور على الأماكن أو وسائل النقل. كان والدي هو دليلاً، وخريطتنا، ومصدر معلوماتنا الوحيد. كان يستعين بخبرته، بسؤاله للناس، بذاكرته الحادة، ليأخذنا إلى كل مكان، وكأنه يملك بوصلة داخلية لا تخطئ. لم يكن يتعب، لم يكن يكل، كانت سعادتنا هي وقوده، وضحكاتنا هي زاده. يتحدى عناء السفر، ومشقة البحث، ليرينا كل ما هو جميل، ويجعل من كل رحلة مغامرة لا تُنسى، محفورة في ذاكرتنا كأجمل الذكريات.
الآن، اختلفت السفرات، تبدلت الوجوه، وتغيرت الأيادي التي تدفع. لم يعد هناك من يحمل العبء وحده، بل أصبح الجميع يشارك، يساهم، ويتعاون لتخفيف مصروفات الرحلة. هذا التعاون جميل، يضيف نكهة خاصة للسفر، ويجعلنا نقدر قيمة التكافل والمشاركة. ففي كل رحلة جديدة، تتشكل ميزانية مشتركة، وتتوزع المهام بين الأفراد، ليصبح السفر تجربة جماعية بامتياز، تتجلى فيها روح الأسرة الواحدة. لم يعد الأمر مقتصراً على جهد فرد واحد، بل أصبحت الأيدي تتكاتف، والقلوب تتآلف، لتجعل من كل رحلة ذكرى جميلة، مبنية على العاون والتآزر.
ومع هذا التحول في نهج السفر، جاءت ثورة التكنولوجيا لتقدم لنا يد العون. أصبح الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بمثابة مرشدنا الشخصي، يساعدان على جعل السفر مريحاً وسهلاً للغاية. تطبيقات حجز الفنادق والطيران في متناول أيدينا، خرائط رقمية تحدد لنا الأماكن بدقة متناهية، وتوفر لنا معلومات شاملة عن كل نقطة اهتمام. وسائل النقل المتنوعة، من سيارات الأجرة الذكية إلى القطارات فائقة السرعة، أصبحت كلها بنقرة زر. هذه التسهيلات جعلت من السفر تجربة سلسة، بعيدة عن تعقيدات الماضي، لكنها في ذات الوقت، تذكرني بتلك الأيام الخوالي، عندما كان أبي هو “التكنولوجيا” الوحيدة التي نمتلكها، وكان هو “تطبيقنا” الوحيد الذي يرشدنا في كل خطوة.
في خضم هذه التحولات، وفي ظل هذه الذكريات التي تتناوب بين الفرح والحزن، يبقى الدعاء هو أصدق تعبير عن الحب والوفاء. أسأل الله العلي القدير أن يتغمد والدنا الحبيب بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يكرم مثواه ويجمعنا به في جنات النعيم، حيث لا نصب ولا تعب. وأن يمد في عمر والدتنا العزيزة، قلبنا النابض وروح بيتنا، وأن يبارك فيها، ويحفظها لنا ذخراً وسنداً، لتظل شمعة تضيء دروبنا. فدعواتهما هي النور الذي يضيء دروبنا، ووجودهما هو السند الذي يشد أزرنا، وذكراهما العطرة نبراس يهدينا في دروب الحياة
وأسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا، نحن الإخوة والأخوات، وأن يجعلنا متعاونين في الخير دائمًا، متكاتفين في السراء والضراء، محافظين على أواصر المحبة التي زرعها فينا والدينا. ففي هذا التعاون، وهذا التآلف، نستشعر روح أبينا حية بيننا، ونحن نمضي قدمًا في الحياة، نحمل في قلوبنا إرثًا من الحب والعطاء، ونواجه التحديات بروح الجماعة، كما علمنا والدينا الكرام.



