مقالات

مرافئ لا ترسو فيها الروح

طاهرة الشامسية

ثمة أماكن نعبرها بأجسادنا، لكن أرواحنا تبقى واقفة على العتبة، تلوّح لنا بأن نعود… فليس كلُّ مرسى خُلِقَ ليكون موطنًا، ولا كلُّ يدٍ تمتدّ إلينا تُشبه الأمان. أحيانًا نمضي نحو وجهة نظنّ أنها المرفأ الذي سيُطفئ تعب الأيام، فنكتشف عند الوصول أنها مجرد ساحلٍ غريب… رماله باردة، وماؤه لا يحمل للروح سوى صدى الوحدة.

كم مررنا على مراسٍ ازدحمت بالناس، لكنها خالية من دفء الحضور… وكم طرقنا أبوابًا بدت من بعيد كأنها منازل للسكينة، فإذا بها مجرد واجهات جميلة تخفي خلفها فراغًا هائلًا. نقف أمامها نحاول فهم السؤال الذي طالما تهرّبنا منه:

لماذا تبحث الروح عن احتواء في أماكن لا تملك القدرة على احتوائها؟

إن الأرواح الحسّاسة تشبه الطيور المهاجرة، تعرف الطريق إلى الضوء لكنها قد تخطئ العنوان حين يبهُرها وميضٌ عابر. تقترب، تطرق، ثم تكتشف أن هذا الضوء لم يكن إلا انعكاسًا على زجاج… لا دفء فيه ولا اتساع.

ولأننا خُلقنا بفطرة الشوق، نمدّ قلوبنا لأماكن نرجو أن تتسع لنا، نُسكنها شيئًا منّا ونحاول أن نؤمن أنها المرسى الذي سينهي الرحلة… لكن الروح لا تكذب. تشعر، ترتجف، وتنقبض حين تكون في المكان الخطأ حتى لو أقنعنا أنفسنا بالعكس. وبعض المرافئ لا تخون، هي فقط ليست لنا… لم تُبنَ لتكون موطنًا لأحلامنا ولا ممرًا لطمأنينة قلوبنا.

نرحل عنها ولسنا نرحل… نجرّ خلفنا ما تبقى من صدى الخطوات، ونترك فيها بقايا أملٍ حاول أن يتشبث، ثم تعلّم أن التشبث بمكان لا يمنح الأمان ليس إلا استنزافًا صامتًا للروح.

ومع ذلك… يظل في داخلنا يقين صغير، يقين لا يشيخ، يقول لنا: إن الروح التي تتألم لأنها لم تجد مرفأها، ستجد يومًا ساحلًا ينتظرها بنفس التلهف… مرفأ لا يخذل، ولا يصدّ، ولا يضيّع. مكان تُطِلّ فيه فتشعر أن قلبك تنفّس، وأن الطريق الطويل كان يستحق كل هذا العناء.

حتى ذلك الحين… امضِ قدُمًا.

فالمرافئ التي لا ترسو فيها الروح ليست خسارة، بل إشارة. إشارة إلى أن الله يُدخلك دورة تدريبية في معرفة ذاتك، وتمييز الأماكن التي تُطفئك من تلك التي تُنيرك.

ويمضي العمر… وتكتشف أن أجمل المرافئ ليست التي وصلتَ إليها، بل التي وصلت إليك.

ذلك المرسى الذي حين تقف عليه أخيرًا، تشعر أن الروح ـ لأول مرة ـ قد أغلقت سفرها، وطوت أجنحتها… واستقرّت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى