مقالات

العامُ الدراسيُّ يضبط الإيقاعَ

د. عبدالعزيز بن حمد العجمي

يتنفس الصبحُ وتشرق شمسُه على حياةٍ جديدةٍ، تستعيد فيها الحواسُ الخمسُ استشعاراتها الحقيقيةَ؛ فلونُ الصباحِ مختلفٌ تنتشر فيه بهجةُ الأزياءِ المدرسيةِ في مراحلها المختلفةِ، حيث تعود الفراشاتُ لتملأ الواحاتِ بهاءً، ورائحةُ الصباحِ يضوع شذاها من نفثاتِ عطرٍ نثرتها الأمُّ على ملابسِ فلذةِ كبدِها قبل أن يخرجَ حاملًا فرحةَ اليوم الجميل، ومذاقُ هذا الصباحِ تستعيد فيه ذاكرةُ التذوقِ طعمَ الفطيرةِ التي تصنعها الأمُّ في مراحلَ سابقةٍ وهي تؤكد على أهميةِ هذه الوجبةِ قبل الخروجِ ليومٍ دراسيٍّ حافلٍ، وأصواتُ هذا الصباحِ تختلف عن كلِّ الصباحاتِ البائسةِ؛ فضجيجُ الشوارعِ والطرقاتِ التي صحت على عزفِ محركات الحافلاتِ والمركبات الكثيفةِ أعادت للحياةِ حيويةً، وأحدثت فارقًا كان قد ترك المكانَ في هدوءٍ ودِعةٍ وسكينةٍ.
في هذا الصباحِ يعيد الدماغُ تفعيلَ حاسة اللمس بشكلٍ آخرَ حيث تلامس اليدُ والأصابعُ أجسامًا تاقت إليها بعد أن ظلتْ طويلًا تلامس الألواحَ الإلكترونيةَ لتُحضرَ العالمَ الافتراضيَّ بسبابةٍ وإبهام، ليبقى للكتابِ الورقي هيبته ووقاره، كما للقلمِ قدراتُه التي تتناغمُ مع أعصابِ الدماغ.
إنه ليس يومًا عاديًا تمرُّ به الكرةُ الأرضيةُ؛ بل هي ظاهرةٌ فلكيةٌ متكررةٌ لها مزيّتها وحساباتها الخاصةُ.
العامُ الدراسيُّ انقلابٌ مناخيٌّ تترتب عليه الكثيرُ من تفاصيلِ الحياة، وتعيد فيه البرامجُ الأسريةُ والاجتماعيةُ والوطنيةُ أولوياتها، ومع بدء العام الدراسيِّ تنتظمُ بيولوجيةُ الجسمِ والعقلِ، ويتغير نظامُ الأكلِ والنومِ، وتتجدد الخلايا العصبية، وينشطُ كلُّ ما في الجسم، ويكتسب العقلُ طاقةً إيجابيةً بعد فترةٍ من الشدِّ والجذبِ، والظروف السوداوية التي عاشها البعضُ أو سمع عنها.
تمضي الحياةُ بكلِّ تحدياتها وتقلباتها، ولا شيءَ يوقفُ الطامحون إلا القضاءَ المُحتَّم.
يعود أحبتُنا الطلبةُ إلى مقاعدِ الدراسةِ بشوقٍ وشغفٍ، ليؤكدوا بحرصٍ وحذرٍ العودةَ التدريجيةَ الآمنةَ للحياة المدرسيةِ التي حرصت عليها جميعُ مؤسساتِ الدولةِ، وعُنيت بها وزارةُ التربية والتعليم من خلال الإطار العام الذي يكفل الالتزامَ بمتطلبات الأمنِ والسلامةِ من جهةٍ، وتحقيق الأهداف العلمية والمعرفية من جهةٍ أخرى.
فبسم الله وعلى بركة الله نتوكل عليه جلَّ في علاه، مستعينين عليه بالأسباب، ومستنيرين بالمنهج والكتاب، نهتف بالولاء لهيثم السلطان، وبالعهد لأمنا عمان محدقين بسارية العلم، سلاحُنا الفكر والقلم.
وكل عامٍ وأنتم صوتٌ يضبط الإيقاع.

نشرة المنار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى